من يراقب تطورات السياسة الخارجية المغربية خلال العقد الأخير، سيدرك أن المملكة لم تعد تنظر إلى إفريقيا بإعتبارها مجرد إمتداد جغرافي أو سوق إقتصادية تقليدية، بل صارت تعتبرها شريكا إستراتيجيا وأفقا واعدا للتنمية المشتركة.
هذا التوجه، الذي حمل لواءه الملك محمد السادس شخصيا عبر زيارات متعددة لعشرات الدول الإفريقية، لم يكن مجرد خطاب دبلوماسي بل أختير له مسار عملي يقوم على الإقتصاد كقاطرة للتقارب وبناء الثقة.
المغرب … فاعل تنموي حقيقي في إفريقيا
المغرب اليوم ليس فقط مستثمرا في القارة، بل هو فاعل تنموي حقيقي، يطرح نفسه بديلا محليا عن نماذج التعاون الخارجي التي أثبتت فشلها في كثير من الأحيان. فقد إستطاع المغرب أن يحول التعاون جنوب-جنوب من شعار مكرر إلى واقع ملموس، من خلال مشاريع إستراتيجية في قطاعات متعددة مثل الطاقة، البنوك، الزراعة، والتعليم.
أنبوب الغاز المغربي-النيجيري: رؤية وحدوية إفريقية
مشروع أنبوب الغاز المغربي-النيجيري يعد من أبرز الأمثلة على هذه الرؤية. يهدف المشروع إلى مد أنابيب بطول يزيد عن 5600 كلم على طول الساحل الغربي لإفريقيا، ليخلق نوعا من السيادة الطاقية ويعزز التكامل الإقتصادي بين دول غرب إفريقيا.
القطاع البنكي والطاقة المتجددة …أدوات للتمكين الإقتصادي
يشهد القطاع البنكي المغربي توسعاً واسعاً في إفريقيا، مما يتيح لملايين الأفارقة الحصول على خدمات بنكية متطورة. أما في مجال الطاقات المتجددة، فتجربة المغرب مع محطة “نور” للطاقة الشمسية في ورزازات أصبحت نموذجا يحتذى به في عدة دول إفريقية.
شراكة تنموية قائمة على البعد الإنساني
ما يميز النموذج المغربي هو دمجه البعد الإنساني والتنمية المستدامة في مشاريعه، عبر دعم التكوين المهني، وتحسين البنية التحتية، وتبادل الخبرات، ليصبح التعاون الإقتصادي علاقة شراكة حقيقية تقوم على المشاركة والإحترام المتبادل.
تحديات وفرص المستقبل
رغم هذه النجاحات، لا تزال هناك تحديات مثل البيروقراطية، وضعف البنية التحتية، وغياب السياسات الإقتصادية القارية الموحدة. لكن النهج المغربي يقوم على تجاوز هذه العقبات بالحوار والشراكة، وليس الإملاء والتبعية.
يجسد التعاون الاقتصادي المغربي الإفريقي نموذجا ناجحا للتكامل جنوب-جنوب، حيث لا يقتصر على الإستثمار والربح، بل يراعي التنمية البشرية، نقل التكنولوجيا، وتحقيق الأمن الغذائي والطاقي للقارة. وهو ما يعزز طموح المغرب في أن يكون جسرا حقيقيا بين إفريقيا وأوروبا، وشريكا محوريا في نهضة إفريقيا الجديدة.


التعليقات مغلقة.