بقلم : زكرياء بلحرش
يعتبر إلتزام المملكة المغربية بقيم السلام والتعايش خيارا إستراتيجيا ثابتا ضمن سياستها الداخلية والخارجية، يستند إلى مرجعية دستورية ودينية وسياسية متكاملة، كما يجد تجلياته في مبادرات دبلوماسية ومؤسساتية تعكس رؤية متماسكة للأمن والإستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وضمن هذا الصدد، يضطلع صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين، بدور مركزي في ترسيخ مقاربة شمولية للسلام تجمع بين الشرعية الدينية والبراغماتية الدبلوماسية والالتزام بمبادئ القانون الدولي في تعزيز السلام من أجل الازدهار بين مختلف الأمم.
وغني عن البيان، بأن صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يتولى رئاسة لجنة القدس المنبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي، باعتبارها موقع يمنح المغرب ثقلا مؤسسيا ورمزيا في متابعة تطورات المدينة المقدسة والدفاع عن طابعها الحضاري والروحي والديني والثقافي، ويتجسد هذا الدور من خلال دعم مجموعة من المشاريع الاجتماعية والتنموية لفائدة السكان المقدسيين، بالقدر الذي يعزز صمودهم ويحافظ على الهوية التاريخية للقدس، كما يعكس هذا الحضور المؤسسي فهما متقدما لمفهوم القوة الناعمة، حيث تتحول المبادرات الاجتماعية والإنسانية إلى أدوات فاعلة في صون السلم الإجتماعي وحماية التعددية الدينية والثقافية وإشعاع قيم التعايش والتسامح والسلام وفق الرؤية التي ترتكز على المرجعية الروحية لمؤسسة إمارة المؤمنين.
وتبعا لذلك، يأتي توقيع نداء القدس من طرف الملك محمد السادس إلى جانب البابا فرانسيس ليؤكد التزاما عمليا بالحفاظ على الطابع المتعدد لمدينة القدس باعتبارها فضاء روحيا مشتركا لأتباع الديانات الإبراهيمية، وضمان حرية الولوج إلى الأماكن المقدسة وصون وضعها القانوني والتاريخي، فمن منظور العلاقات الدولية، يجسد هذا النداء نموذجا للدبلوماسية الدينية التي توظف المرجعية الروحية في تخفيف حدة النزاعات ذات البعد الهوياتي، والحضاري، والثقافي، كما أنه من شأن ذلك تعزيز منطق الحوار بدل منطق الصراع.
وفي ظل التحولات الإقليمية التي يشهدها العالم المعاصر ضمن عالم متعدد الأقطاب والتحديات، يتجلى انخراط المغرب في الاتفاق الثلاثي المغربي–الإسرائيلي–الأمريكي سنة 2020، في سياق الإعلان الذي إعتمدته الولايات المتحدة الأمريكية المتعلق بإتفاقيات أبراهام، ضمن مضمار مقاربة واقعية براغماتية تسعى إلى تحقيق توازن بين المصالح الوطنية والمصالح الدولية، فقد تم استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل، غير أن هذا التطور لم يفهم في الرؤية المغربية باعتباره تخليا عن الالتزام التاريخي بدعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بل كإعادة تموضع دبلوماسي يهدف إلى توسيع هوامش الوساطة وتعزيز فرص الحل السلمي القائم على حل الدولتين وفق المرجعيات الدولية المعتمدة.
من جانب آخر، يعكس انضمام المغرب إلى مجلس السلام كعضو مؤسس، بدعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إرادة سياسية في الانخراط داخل آليات جماعية لصنع السلم والأمن الدوليين، بما يتماشى مع مفهوم الأمن القومي التضامني الذي يقوم على تقاسم المسؤوليات في ترسيخ الأمن والسلام وتعزيز العمل متعدد الأطراف بين مختلف الدول، بحيث أن المملكة المغربية لا تكتفي بخطاب داعم للسلام، بل تسعى إلى ترسيخ حضورها في هندسة المبادرات الدولية الرامية إلى احتواء النزاعات والحد من مخاطر عدم الاستقرار.
وارتباطا بالريادة الدبلوماسية والدينية للمغرب، يأتي تأسيس معهد إمارة المؤمنين للسلام في القدس كأحد المبادرات الداعمة لمسار الاستراتيجية المغربية القائمة على الربط بين التأطير الديني الرشيد وتعزيز ثقافة الحوار بين الأديان والثقافات ونشر قيم التعايش والتسامح والسلام والأمن إقليميا ودوليا، بحكم أن هذه المقاربة المغربية في مكافحة التطرف العنيف لا تقتصر على البعد الأمني، بل تقوم على إستراتيجية وقائية متعددة الأبعاد تشمل إصلاح الحقل الديني، وتكوين الأئمة والمرشدين وفق منهج الوسطية والاعتدال، وتجريم خطاب الكراهية والتحريض على العنف، إلى جانب سياسات تنموية تستهدف معالجة الهشاشة باعتبارها بيئة خصبة للتطرف وتنمية الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
يمكن القول، بأن هذه المقاربة الإستراتيجية بين الشرعية الدينية والسياسية لمؤسسة إمارة المؤمنين، والمبادرات الدبلوماسية متعددة الأطراف، والمقاربة الأمنية الإستباقية، يمنح التجربة المغربية خصوصيتها في مجال بناء السلام، فالأمن في الرؤية المغربية ليس مجرد غياب للعنف فحسب، بل هو حالة إيجابية تقوم على التعايش، واحترام التعددية الدينية والثقافية، وصون الكرامة الإنسانية، وتحصين المجتمعات ضد خطابات الكراهية والتطرف والتشدد العنيف، ومن خلال هذا المسار، يرسخ المغرب موقعه كفاعل إقليمي ودولي ملتزم بثقافة السلم، ومؤمن بأن الاستقرار المستدام لا يتحقق إلا عبر الحوار، والتنمية، وترسيخ قيم الاعتدال والتسامح في الفضائين الوطني والدولي.


التعليقات مغلقة.