Ultimate magazine theme for WordPress.

الشباب المغربي بين شقاء الواقع وأمل الممكن …

نحو مواطنة فاعلة ومجتمع يحتضن الحلم
ورقة تحليلية من إعداد مؤسسة الفقيه التطواني
في مغرب يخطو بثبات نحو المستقبل، يتربع الشباب في قلب الرهانات الكبرى للتنمية، لكنه أيضًا يقف في عين العاصفة، ممزقًا بين أحلام مؤجلة وواقع يرزح تحت ثقل الفقر، والهشاشة، وتلاشي الأفق. شباب ينحت ذاته بين رماد الإحباط ولهيب الطموح، باحثًا عن موطئ قدم داخل وطنٍ لا يزال يُعيد تعريف علاقته بأبنائه، خاصة أولئك الذين وُلدوا في الهامش أو على تخوم الحظ.
لقد شكّل الورش الملكي لإعادة تأهيل المدرسة العمومية، وتجديد النموذج التنموي، وإرساء عدالة مجالية، فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار للشباب المغربي، باعتباره رأسمالًا بشريًا لا يُقدّر بثمن. لكن رغم تعدد المخططات والبرامج، لا يزال الفارق بين الخطاب والواقع يطرح أسئلة قاسية عن فعالية السياسات العمومية ومدى قدرتها على الإنصات لهموم الأجيال الصاعدة.
أزمة قيم أم أزمة أفق؟
لم يعد من المجدي اختزال معاناة الشباب المغربي في “نقص التشغيل” أو “فقر الدخل”، فالمعضلة أعمق من ذلك، إذ تمس القيم والمعنى والهوية. يعيش العديد من الشباب اليوم في ظل فراغ رمزي، يتخبطون بين نماذج سلوكية مستوردة، وصورة باهتة عن المستقبل، في غياب مرجعيات فكرية وأخلاقية واضحة. إنهم أبناء زمن متغير، وجدوا أنفسهم في صراع قيمي صامت، بين العائلة والمدرسة، وبين الإعلام والشارع، وبين وعود الدولة وأوهام الشهرة السريعة.
لقد غاب المشروع الثقافي والتربوي الجامع القادر على ترسيخ روح المواطنة، وزرع قيم الالتزام، والانتماء، والعمل المشترك. وبات من الضروري مساءلة وظائف المؤسسات التربوية والثقافية والدينية، ومدى قدرتها على تأطير هذا الجيل المتعطش للمعنى، لا فقط للفرص الإقتصادية.
شباب الهامش… الوطن المؤجل
في الأحياء الفقيرة، وفي دواوير المغرب العميق، ينتصب سؤال العدالة المجالية مثل طعنة في خاصرة التنمية. هناك، حيث تغيب المراكز الثقافية، وتُغلق دور الشباب أو تتحول إلى بنايات مهجورة، ينشأ شباب في عزلة كاملة عن الدولة، في إنتظار فرصة للهجرة، أو بصيص أمل يُعيد إليهم الثقة في المستقبل.
ليس الهامش جغرافيًا فقط، بل هو نفسي ورمزي أيضًا، يُنتج شعورًا باللاجدوى، ويُغذي خطاب الرفض والصمت. وقد أصبحت العديد من المدن الكبرى تُطوّق بأحزمة من القلق الاجتماعي، والبطالة المعنوية، ما لم يُتم تداركه بسياسات جريئة تُعيد إدماج هؤلاء الشباب في مشروع وطني حقيقي.
الفرص الضائعة… ومآل التوصيات
كم من منتدى نُظم؟ وكم من تقرير صدر؟ وكم من توصية طُرحت بخصوص الشباب؟ لكن الحقيقة المرة أن الإرادة السياسية المندمجة، والمؤسسات الفعالة لتتبع التنفيذ، كانت ولا تزال الحلقة المفقودة.
لقد أوصى النموذج التنموي الجديد بضرورة “إطلاق طاقات الشباب عبر التربية والثقة والمواكبة”، كما دعت العديد من الأصوات الوطنية، وأكد دستور المملكة في فصله الثالث والثلاثين، على ضرورة إحداث مجلس وطني للشباب والعمل الجمعوي، يكون إطارًا تمثيليًا وتشاوريًا فعليًا، لا شكليًا، لكن شيئًا من ذلك لم يتحقق بعد.
بل إن الواقع يشي بتراجع دعم الجمعيات الجادة، وغياب شبكة وطنية فاعلة من الأندية والمراكز التكوينية والثقافية، التي كانت لتمنح الشباب أدوات التعبير والتأطير والمشاركة.
من الحلم الملكي إلى السياسات الواقعية
منذ خطاب العرش لسنة 2018، الذي وصف فيه جلالة الملك محمد السادس نصره الله الشباب بأنه المحرك الأساسي للتنمية، ومختلف الخطابات الملكية تؤكد على ضرورة إعادة الإعتبار لهذه الفئة، سواء عبر إصلاح التعليم، أو دعم المبادرات الذاتية، أو تشجيع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
وقد شهدت الساحة بعض المبادرات الهامة، مثل برنامج “أوراش”، و”فرصة”، و”انطلاقة”، لكنها بقيت متفرقة، تفتقر إلى التنسيق والبعد التربوي والقيمي المواكب.
إن الحلم الملكي بشباب فاعل ومندمج ومبدع يحتاج إلى أدوات تنفيذية فعالة، وإلى رؤية استراتيجية تربط التربية بالتشغيل، والثقافة بالتحصين، والسياسة بالإشراك الحقيقي.
نحو أفق جديد: أي حلول؟
إن تجاوز الأزمة الحالية يمر عبر خمس أولويات:
1. إعادة الإعتبار للمدرسة العمومية: ليس فقط كمؤسسة لتلقين الدروس، بل كمشتل للمواطنة، والابتكار، والعدالة الاجتماعية. يجب أن تعود المدرسة إلى وظيفتها الأساسية: صناعة الإنسان.
2. تفعيل المجلس الوطني للشباب والعمل الجمعوي: وفق ما ينص عليه دستور المملكة، وبشكل مستقل، تشاركي، يعطي صوتًا حقيقيًا للشباب في السياسات العمومية، ويتابع التوصيات ويُقيّم الأثر.
3. توسيع خارطة المراكز الثقافية والنوادي الحضرية والقروية: لأن الشباب يحتاج إلى فضاءات للتعبير، والتعلم، والتكوين، خارج منطق السوق أو الرقمنة العشوائية.
4. إدماج الشباب في صياغة السياسات العمومية: من خلال مقاربات تشاركية على مستوى الجماعات الترابية، والمجالس الإقليمية، والمؤسسات المنتخبة.
5. إطلاق حملة وطنية للقيم: تشرف عليها الدولة بشراكة مع المجتمع المدني، وتعيد ربط الشباب بالقيم المشتركة: التضامن، الاجتهاد، التسامح، المسؤولية.
من جيل الانتظار إلى جيل البناء :
ليس الشباب المغربي عالة على الوطن، بل هو كنزه الدفين. لكنه يحتاج إلى من يُصغي إليه، ويؤمن به، ويفتح له الأبواب لا أن يغلقها.
لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة الوعود والبلاغات إلى مرحلة التنفيذ والتعبئة. من منطق “استهداف الشباب” إلى منطق “العمل معهم”. فالشباب لا يريد فقط الدعم، بل يريد أن يُساهم، ويُشارك، ويُبادر.
إن الحلم الكبير الذي يحمله جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، في بناء مغرب التقدم والكرامة، لا يمكن أن يتحقق إلا بشباب يحلم، ويصبر، ويقاوم، ويجد مكانه في الوطن… لا على الهامش منه.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.