Ultimate magazine theme for WordPress.

الحرب بين الوطنية والإنسانية … رؤية نحو التوازن …

بقلم : عبد اللطيف نحيلة

في عالم يزداد ترابطا وتعقيدا، يواجه الأفراد والمجتمعات سؤالا جوهريا: كيف نوازن بين الإنتماء للوطن والإنتماء للإنسانية في ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى؟ الوطنية تمنح الإنسان هويةً وإنتماء وأمانا، بينما الإنسانية تمنحه أفقا أوسع يتجاوز الحدود ويربطه بجميع البشر. غير أن التحديات الكبرى التي يشهدها العالم تضع هاتين القيمتين أحيانا أمام إختبارات صعبة، فتبرز الحاجة إلى وعي أعمق يضمن إنسجامهما وتكاملهما.
الوطنية الحقة هي إلتزام بحماية الأرض والسيادة والمصلحة العامة، وهي في الوقت نفسه رفض لكل ما يمكن أن يسيء لكرامة الإنسان داخل الوطن. أما الإنسانية الأصيلة، فهي دفاع عن القيم العالمية، وعن حق كل إنسان في العيش بكرامة، أينما كان. غير أن المشهد الدولي المعاصر يشهد إنحرافات تجعل من هذه القيم النبيلة أدوات للصراع؛ فهناك من يوظف الخطاب الوطني لتبرير الإنغلاق أو الإقصاء، وهناك من يستغل الخطاب الإنساني للتدخل في شؤون الدول وإضعاف تماسكها الداخلي.
وفي هذا الإطار، برزت الإستراتيجية المتبصّرة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، التي جعلت من المغرب نموذجًا متوازنا يجمع بين صون السيادة الوطنية والإنفتاح على العالم. فقد رسّخت السياسة الملكية نهجًا يقوم على الدفاع الثابت عن القضايا الوطنية، وفي مقدمتها القضية الوطنية الأولى، مع الإنخراط الفاعل في القضايا الإنسانية والتنموية عبر القارة الإفريقية والعالم. كما جسّدت المبادرات الملكية قيم التضامن من خلال إرسال المساعدات الإنسانية للدول المتضررة، والمشاركة في المبادرات الدولية لمكافحة الفقر، ودعم السلام و الإستقرار الإقليمي، بما يبرز أن الوطنية المغربية لا تتناقض مع الإنسانية، بل تشكل إطارها الطبيعي.
التحدي الحقيقي يكمن في بناء رؤية تجعل الوطنية والإنسانية شريكتين لا خصمين. هذا يتطلب وعيا سياسيًا وأخلاقيا قادرا على التمييز بين النقد البنّاء الذي يهدف للإصلاح، والتوظيف الموجّه الذي يخدم أجندات معادية. كما يتطلب إلتزامًا من الدول والمجتمعات بتعزيز قنوات الحوار الداخلي، والإنفتاح على التعاون الدولي دون التفريط في السيادة أو الإستقلالية.
إن المغرب، بتاريخ حضارته العريق وقيمه الراسخة في التسامح والعيش المشترك و التبادل المتعارف، وبفضل الرؤية الملكية الحكيمة، قادر على أن يقدّم نموذجا حيًا لهذا التوازن. ناهيك عن الدبلوماسية الرسمية و البرلمانية فمن خلال الدبلوماسية الثقافية، والمبادرات الإنسانية المسؤولة، وتعزيز دور المجتمع المدني، يمكن للوطنية أن تصبح جسرا نحو الإنسانية، ويمكن للإنسانية أن تصبح حامية للوطن لا مهددة له.
الحرب بين الوطنية والإنسانية ليست قدرا محتوما، بل هي نتاج سوء فهم أو سوء توظيف. وعندما نعيد تعريف الوطنية على أنها حبٌ وعٍ للوطن، والإنسانية على أنها إلتزام صادق بالقيم الكونية، نستطيع أن نحول هذا الصراع إلى شراكة، وأن نجعل من ولائنا للوطن إمتدادا لولائنا للإنسانية جمعاء.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.