صدر حديثا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الكتاب المميز «عنصريات : من الحملات الصليبية إلى القرن العشرين»، للمؤرخ البرتغالي فرنسيسكو بيتنكور، بترجمة ثائر ديب. يعد الكتاب، الذي نشر أصلا باللغة الإنجليزية عام 2013، دراسة موسوعية شاملة تتناول تاريخ العنصرية عبر أكثر من تسعة قرون من التحولات التاريخية والإجتماعية والسياسية.
يرى بيتنكور في مؤلفه أن العنصرية ليست مجرد نظرية جامدة أو عقيدة ثابتة، بل مجموعة من الممارسات المتغيرة التي تتأثر بالسياقات المختلفة، سواء أكانت دينية، عرقية أو إثنية. ويشرح كيف أستخدمت العنصرية كأداة للإقصاء والسيطرة في مراحل مختلفة من التاريخ، بدءا من الحملات الصليبية، مرورا بالتوسع الإستعماري الأوروبي، ووصولا إلى مآسي القرن العشرين مثل النازية والفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
يخصص بيتنكور فصوله لتحليل فصول محورية في تطور العنصرية، حيث يعرض في العصور الوسطى كيف كان التمييز ضد المسلمين واليهود قائما على أطر دينية تحولت مع الوقت إلى أشكال عنصرية أكثر تعقيدا. وفي عصر الإستعمار الأوروبي بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، يوضح كيف بررت الخطابات العنصرية إستعباد الأفارقة وإبادة السكان الأصليين في الأمريكتين، مسلطة الضوء على العلاقة الوثيقة بين التوسع الإقتصادي والعنصرية.
كما يناقش دور “العِرقية العلمية” في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، التي حاولت تصنيف البشر بيولوجيًا لتبرير التفوق الأوروبي، ويربط بين صعود القومية والتمييز العنصري في القرنين التاسع عشر والعشرين، مع التركيز على الأنظمة التي جعلت العنصرية سياسة رسمية، مثل النظام النازي والأبارتهايد.
من بين الإضافات المهمة التي يقدمها الكتاب، إهتمام المؤلف بدور الثقافة البصرية، كالخرائط والصور والرسوم، التي لم تكن مجرد إنعكاس للعنصرية، بل وسيلة فعالة في نشرها وترسيخها داخل الوعي الجمعي.
لاقى الكتاب إشادة واسعة بإعتباره إنجازا موسوعيا يجمع بين التاريخ وعلم الإجتماع والأنثروبولوجيا، مع تقديم تحليل عميق يربط بين السياقات المحلية والعالمية. إلا أنه تعرض أيضا لنقد يخص طول الكتاب وكثافته التي قد تصعب قراءته على غير المتخصصين، بالإضافة إلى التركيز النسبي على التجربة الأوروبية مقارنة ببعض السياقات غير الغربية.
النقاش الأكاديمي الذي أثاره الكتاب حول تعريف العنصرية، وما إذا كانت تقتصر على التصنيفات العرقية الحديثة أم تشمل التحيزات الدينية والإثنية القديمة، وضعه في صلب الحوارات المعاصرة حول تاريخ العنصرية.
فرنسيسكو بيتنكور هو مؤرخ برتغالي وأستاذ التاريخ الحديث في كلية كينغز لندن، متخصص في تاريخ الاستعمار الأوروبي والعلاقات الثقافية العالمية، وله إسهامات بارزة في دراسة تاريخ العنصرية، ويعرف بمنهجه المتعدد التخصصات.
يقدم كتاب «عنصريات : من الحملات الصليبية إلى القرن العشرين» إطارا نقديا شاملا لفهم ظاهرة العنصرية بإعتبارها ممارسة متغيرة ومتعددة الأبعاد، تراوحت بين الدين والعرق والسياسة. وهو مرجع أساسي للباحثين في مجالات التاريخ، علم الإجتماع، والدراسات الثقافية، يدعو إلى إعادة التفكير في جذور وأشكال العنصرية وآثارها المستمرة على عالمنا المعاصر.


التعليقات مغلقة.