شدد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، على ضرورة إجراء إصلاح جوهري في الشراكة الأورو-متوسطية، بما يضمن تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، داعيا إلى تجديد الرؤية ووضع خارطة طريق طموحة تعيد الزخم لهذا المسار.
وجاءت تصريحات بوريطة خلال افتتاح الخلوة رفيعة المستوى حول “مستقبل العلاقات الأورو-متوسطية”، التي نظمتها الوزارة اليوم الخميس بالعاصمة الرباط، بمشاركة مسؤولين وأكاديميين وفاعلين إقتصاديين من ضفتي المتوسط، تحت شعار : “تحويل الفضاء الأورومتوسطي إلى شراكة جيوسياسية حقيقية”.
وأكد بوريطة أن منطقة المتوسط ليست مجرد بحر أو حدود، بل “منظومة وملكية مشتركة” ينبغي أن توحد الشعوب والدول، مضيفا : “عندما نتعامل مع المتوسط كملف، فإنه ينفلت منا، لكن عندما نعتبره ملكية مشتركة، فإنه يصبح عاملا للوحدة”.
وعرض الوزير دوافع المغرب لإستضافة هذا النقاش الإستراتيجي، مشيرا إلى أن المملكة تمثل شريكا موثوقا وفاعلا منذ عقود في بناء الشراكة الأورو-متوسطية، من خلال منهجية واضحة وتجربة متراكمة. وذكر بأن المغرب كان سباقا إلى تجسيد الوضع المتقدم، وإرساء آليات جديدة للتعاون، مثل لجنة حقوق الإنسان وشراكات التنقل، فضلا عن التزاماته البيئية.
ولفت بوريطة إلى أن المملكة أثبتت على الدوام قدرتها على تحويل الإلتزامات السياسية إلى مشاريع عملية، خاصة في تعاونها مع شركاء أوروبيين مثل فرنسا وإسبانيا وألمانيا.
وفي سياق تشخيصه للعلاقة الأورو-متوسطية، أشار الوزير إلى وجود “تذبذب وجودي” بشأن هوية هذا المسار، وغياب رؤية مشتركة واضحة بين الشمال والجنوب، حيث يركز الشمال على قضايا الإستقرار والأمن، بينما ينظر الجنوب إلى التنمية والتنقل كأولويات ملحة.
وقدم بوريطة رؤية المغرب لإحياء الشراكة، داعيا إلى نموذج جديد يقوم على أربع دعائم رئيسية :
-
تأمين الإمدادات الإستراتيجية، خصوصا في مجالات الطاقة والأمن الغذائي.
-
ربط الإقتصادات عبر تحويل الفضاء الأورو-متوسطي إلى منصة للإنتاج المشترك.
-
تعبئة المواهب من خلال هجرة ذكية وآليات للإعتراف بالكفاءات وتوفير فرص التكوين.
-
إعادة تأسيس الحوار السياسي عبر إطلاق منتدى سياسي متوسطي يستخدم “الإتحاد من أجل المتوسط” كإطار مرجعي.
وإقترح الوزير إحداث آلية جديدة تعتمد على “تحالفات طوعية” بين دول من الشمال والجنوب للعمل على مشاريع محددة، بعيداً عن منطق الإجماع المعيق، إلى جانب إنشاء صندوق أورو-متوسطي للتماسك، يعتمد آلية هجينة للضمانات والتمويل، مع تعزيز آليات المساءلة أمام المواطنين.
وإعتبر بوريطة أن أحد التحديات الكبرى يكمن في كون المشروع الأورو-متوسطي لا يزال محصورا في نطاق نخبوي، ولا يخاطب المواطنين بشكل مباشر، مشددا على ضرورة إستعادة الشرعية الإجتماعية لهذه الشراكة.
يذكر أن الخلوة تهدف إلى إطلاق نقاش استباقي حول مستقبل العلاقات الأورو-متوسطية، وإستشراف التحديات المقبلة في ظل التوترات الجيوسياسية والأزمات المتعددة التي تشهدها المنطقة، من صحية وطاقية وغذائية.


التعليقات مغلقة.