Ultimate magazine theme for WordPress.

بقلم هشام عبد الوهاب : كان”” CAN”” يا ما كان …

لم تكن رغبتي في التريّث ضربًا من التردد، ولا حيلة لغوية لتجميل الخسارة، بل كانت فعلًا واعيًا، أقرب إلى تمرين قاسٍ على كبح الإنفعال، وترك الزمن ينجز مهمته الثقيلة : تصفية الضجيج، وترسيب المعنى. فالهزيمة أمام السنغال في نهائي كأس أمم إفريقيا لم تكن حدثًا رياضيًا عابرًا، بل صدمة كثيفة الدلالات، لا تُقرأ من داخل فوران العاطفة، لأن القراءة الذكية لأي واقعة كبرى تبدأ، في العادة، حيث تنتهي الإنفعالات السطحية.
المباراة في أطوارها كانت واعدة، مشدودة، ومفتوحة على كل الإحتمالات. فريقان منخرطان حتى النخاع، إرادة ضد إرادة، ونَفَسٌ طويل في اختبار الأعصاب. غير أن كرة القدم، بوصفها فنّ الممكن والمتقلّب، أعادت تذكيرنا بأنها لا تخضع بالكامل للمنطق ولا للنيات الحسنة. هي لعبة التفاصيل الصغيرة، والهفوات العابرة، واللحظات التي لا تُعاد. إلى هنا، يمكن للهزيمة أن تُفهم، بل أن تُهضم.
لكن ما أعقب صافرة النهاية هو ما يستدعي التوقف الحقيقي، والقراءة الصارمة التي لا تجامل. مشاهد الدقائق الأخيرة، من انسحاب مؤقت للاعبي السنغال، واحتجاجات صاخبة على التحكيم، ثم الانفجار الإعلامي الذي تلاها، لم تكن مجرد توتر رياضي، بل كانت عرضًا مكثفًا لمرض أعمق. هنا خرجنا من المستطيل الأخضر، ودخلنا إلى مسرح آخر، تُدار فيه المعارك بالأصوات المرتفعة، وبالسرديات الجاهزة، وبالتحريض المقنّع.
المغرب، في هذا السياق، لا يعاني من نقد رياضي مشروع، بل من ضجيج إعلامي خانق، ومن حملات منظمة تتجاوز المباراة والنتيجة، لتصطدم بحقيقة فكرية عميقة صاغها عبد الله العروي ببرودة المؤرخ حين قال: «المغرب جزيرة… ويجب أن نتصرف كسكان جزيرة مطوقة بمشاكلنا». ليست “الجزيرة” هنا توصيفًا جغرافيًا، بل تشخيصًا تاريخيًا ونفسيًا لوضع بلد قرر، عن وعي أو عن حدس، أن يبني نفسه خارج الإنفعالات الجماعية لمحيطه.
هذا “التطويق” الذي تحدث عنه العروي يتجلى اليوم في أوضح صوره، رياضيًا وسياسيًا معًا. فالمغرب، حين اختار أن يبني نهضته الكروية والتنظيمية بمنطق سيادي، بعيدًا عن المزايدات العاطفية والاصطفافات الصاخبة، أصبح فجأة كيانًا “مريبًا” في نظر محيط إعتاد الفوضى أكثر مما اعتاد التخطيط. نحن نعيش قدر الجزيرة التي تبتعد آلاف الكيلومترات الرمزية عن مراكز الصخب المشرقي والإقليمي؛ بعدٌ يمنحنا امتياز العقلانية، لكنه يفرض علينا ضريبة العزلة المقصودة.
المغرب حين ينجح لا يُعامل كفريق أحسن الإعداد، بل كاستثناء يجب تفسيره أو تشويهه. لا يُسأل عن عمله، بل عن “نواياه”. لا تُناقش مؤسساته، بل تُنسج حوله روايات المؤامرة. لأن الجزيرة التي تنجح في تدبير تطويقها، وتحويله إلى قوة تنظيمية ومؤسساتية، تفضح فشل المحيط الذي يريد الجميع أن يغرق في نفس المستنقع العاطفي والأزمات البنيوية.
هنا بالضبط، تظهر الدعاية الحديثة، كما فكك آلياتها جاك إيلول، لا كوسيلة إخبار، بل كسلاح. البروباغندا التي تُمارَس ضد المغرب في منابر جزائرية ومصرية، وأحيانًا في دوائر فرنسية، لا تستهدف قرار حكم ولا خيارات مدرب، بل تستهدف “النموذج” ذاته. إنها دعاية لا تبحث عن الحقيقة، بل عن مذنب جاهز. تخلق العدو لتُعفي نفسها من مساءلة ذاتها، وتحول النجاح التنظيمي المغربي إلى “مؤامرة”، فقط لأن الاعتراف بالعمل الجاد مكلف نفسيًا لجمهور تربّى على تبرير الإخفاق.
ما يحدث هو ما سماه نعوم تشومسكي بـ“التأطير المضلل”: عزل المغرب داخل إطار “المشبوه”، عبر التكرار الممنهج للأكاذيب، وتضخيم الهفوات، واجتزاء الوقائع، إلى أن تُصنع موافقة عامة على كراهية هذه الجزيرة التي تجرأت على أن تكون مختلفة. ليست المسألة رياضة، بل سردية. ليست خسارة لقب، بل صراع على المعنى.
قدرنا، كما استشرفه العروي، أن نتصرف كسكان جزيرة مطوقة بمشاكلها الخاصة، لا كجزء من جوقة الانفعالات الإقليمية. والهجوم الذي نتعرض له ليس سوى محاولة لجرّنا خارج هذا الموقع، لإعادتنا إلى حظيرة الانفعال الجمعي، حيث يسهل الإستهلاك، ويستحيل البناء. غير أن الوقائع، العنيدة بطبعها، أثبتت أن قوة المغرب تكمن بالضبط في “جزيريته”: في قدرته على الانكفاء الواعي على ذاته لبنائها، وفي إدراكه أن المسافة التي تفصلنا عن غوغائية الجوار ليست عزلة، بل مسافة أمان.
الصراع اليوم ليس على كأس ضاع في الميدان، بل على نموذج يتشكل بصمت. صراع بين جزيرة تبني مستقبلها بالنتائج والمؤسسات، ومحيط يحاول ترميم إنكساراته بالدعاية، وبالقصص المانوية السهلة. وفي مثل هذا الصراع، الخسارة الحقيقية ليست في مباراة، بل في التخلي عن العقل لصالح الضجيج.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.