رغم الأزمات السياسية والتغيرات الجيوستراتيجية التي شهدها إقليم غرب إفريقيا خلال العام الجاري، تمكنت مالي من الحفاظ على موقعها كأكبر شريك تجاري إفريقي للسنغال، وفقا لما أظهرته بيانات رسمية جديدة صادرة عن الوكالة الوطنية للإحصاء والديموغرافيا (ANSD).
وبحسب تقرير “تحليل التجارة الخارجية – إصدار 2024″، بلغت قيمة الصادرات السنغالية نحو مالي حوالي 802.75 مليار فرنك إفريقي (ما يعادل 1.4 مليار دولار)، مسجلة زيادة قدرها 8.6% مقارنة بعام 2023. هذا الأداء القوي جعل من مالي وجهة لأكثر من 55% من صادرات السنغال إلى إفريقيا، ونحو 21% من إجمالي صادرات البلاد عالميًا.
شراكة صلبة رغم الانسحاب من الإيكواس
المفارقة اللافتة أن هذا التقدم التجاري جاء في وقت إنسحبت فيه مالي، إلى جانب النيجر وبوركينا فاسو، من المجموعة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس) في يناير الماضي. إلا أن إستمرار عضوية هذه الدول في الإتحاد الإقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا (UEMOA)، الذي تنتمي إليه السنغال كذلك، أتاح إستمرار التبادلات التجارية في إطار مؤسسي يحمي المصالح المشتركة بعيدا عن الإنقطاعات السياسية.
ويشير الخبراء إلى أن العلاقة الإقتصادية بين دكار وباماكو باتت أكثر رسوخا من أن تتأثر بعوامل سياسية ظرفية، مدفوعة بترابط في البنية التحتية والمصالح التجارية، أبرزها ميناء دكار الذي يعد الشريان البحري الرئيسي للدولة غير الساحلية مالي.
صادرات متنوعة ونشاط لوجستي كثيف
تشمل الصادرات السنغالية إلى مالي منتجات نفطية، أغذية، إسمنت، سلع معلبة ومنتجات مصنعة. ويذهب حوالي 80% من صادرات الإسمنت السنغالي إلى السوق المالي، كما تتصدر مالي قائمة مستوردي المشتقات البترولية من السنغال.
على مستوى الحركة التجارية اليومية، تشير تقديرات الأمين العام لنقابة الفاعلين المينائيين، مامادو كورسين سار، إلى أن أكثر من 1000 شاحنة نقل مالي تدخل السنغال يوميًا، ما يدر على الإقتصاد السنغالي عائدات سنوية تفوق 253 مليار فرنك إفريقي.
دكار… محور إستراتيجي لتجارة مالي
وأكد المدير العام للمستودعات المالية في السنغال، فوسينيو سومانو، أن ما يزيد عن 68% من البضائع الموجهة إلى مالي تمر عبر ميناء دكار، مما يعزز مكانته كمركز تجاري حيوي في غرب القارة. محذرًا في الوقت ذاته من أن أي خلل في هذه العلاقة قد ينعكس سلبا على قطاعات حيوية مثل الطاقة واللوجستيات والنقل.
شريك يفوق آسيا وفرنسا
تظهر دراسات سابقة أن السوق المالية وحدها تستوعب صادرات سنغالية تفوق مجتمعة ما تصدره البلاد إلى كل من آسيا وفرنسا، مما يبرِز الوزن الاقتصادي الكبير لباماكو في خارطة التجارة السنغالية.
ورغم العقوبات التي فرضتها “الإيكواس” سابقًا على مالي، بما في ذلك إغلاق الحدود وتعليق المعاملات التجارية، فإن العلاقات بين البلدين حافظت على زخمها. وأشار اقتصاديون حينها إلى أن “معاقبة مالي يعني عمليا معاقبة السنغال أيضا”، بسبب التداخل العميق في مصالحهما الإقتصادية.
نموذج للتكامل الإقليمي
ويرى مراقبون أن العلاقة بين مالي والسنغال تعد نموذجا ناجحا للتكامل الإفريقي القائم على المصالح المتبادلة، بعيدا عن الإملاءات الخارجية أو البنى السياسية غير المتناغمة مع الواقع الإقتصادي على الأرض.
ويعتقد محللون أن الحفاظ على هذا المسار الثنائي يمكن أن يشكل ركيزة لتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAF)، بما يعزز الاعتماد المتبادل ويقوي القدرة الجماعية للدول الإفريقية على مواجهة التحديات التنموية.
في ظل تصاعد الأزمات السياسية وضبابية المشهد الإقليمي، تثبت الأرقام أن مالي والسنغال تواصلان كتابة قصة نجاح إقتصادي إقليمي، عنوانها : المصالح المشتركة أقوى من الإنقسامات السياسية. وبينما تنسحب مالي من الإيكواس، فإن علاقتها بدكار تزداد ترابطا، مما يبعث برسالة أمل حول مستقبل التكامل الإقتصادي في القارة السمراء.


التعليقات مغلقة.