Ultimate magazine theme for WordPress.

كتاب “أوقاف المغاربة في القدس”: توثيق تاريخي وسياسي لقصة وجود المغاربة في المدينة المقدسة …

يقدم كتاب “أوقاف المغاربة في القدس: وثيقة تاريخية سياسية قانونية” للدبلوماسي والعلامة المغربي الراحل الدكتور عبد الهادي التازي (1926 – 2015)، رؤية شاملة لتاريخ الأوقاف التي أنشأها المغاربة حول المسجد الأقصى، والتي كانت حجر الأساس لوجودهم الروحي والعمراني في القدس على مدى قرون طويلة.

صدر الكتاب لأول مرة عام 1981 عن مطبعة فضالة بالمحمدية، وأُعيدت طباعته عام 2013 بعد تنقيحه وإضافة وثائق وصور حصرية لمناطق حارة المغاربة، وذلك بمبادرة من “المبادرة المغربية للدعم والنصر” وبموافقة ومراجعة من المؤلف قبل وفاته. ومنذ ذلك الحين، طُبع الكتاب عدة مرات آخرها عام 2020، ليعد وثيقة نادرة تجمع بين التحليل التاريخي والقانوني والسياسي.

لا يكتفي الكتاب بتوثيق الأوقاف المغربية فقط، بل يوضح كيف بدأت التوترات المتكررة بين العرب وإسرائيل في القدس، تحديدا من منطقة أوقاف المغاربة وبخاصة من حائط البراق، في تناقض يذكر بحادثة كنيسة القيامة التي أدت إلى حرب القرم عام 1856. ويؤكد التازي أن الصراع بين المشروع الصهيوني والوجود العربي لم يكن مجرد مواجهات عسكرية أو قرارات سياسية، بل بدأ فعليا من مدينة القدس ومن أوقاف المغاربة، حيث نشب النزاع حول الهوية الدينية للمكان.

يضم الكتاب دراسة معمقة لأوقاف المغاربة في القدس من الناحيتين التاريخية والسياسية والقانونية، إلى جانب 10 ملاحق وثائقية تحتوي على نصوص الوقف الأصلية ومراسلات رسمية وإحتجاجات قانونية تعكس الموقف الرسمي تجاه هذه الأوقاف.

يصف الباحث المغربي المتخصص في شؤون القدس محمد رضوان الكتاب بأنه مرجع مهم رغم صغر حجمه، لما يحتويه من توثيق دقيق لعلاقة المغاربة بالقدس، حيث يعد وثيقة أساسية لفهم أوقاف المغاربة ودورها الإجتماعي والإقتصادي والديني.

يعتمد التازي منهجا وثائقيا يجمع بين دراسة الأرشيف العثماني والمراسلات الرسمية، مع تحليل دقيق للأحداث السياسية وتأثيرها على الأوقاف. ويبرز الكتاب دور المغاربة كحراس للوقف، وكيف أستخدمت الأوقاف كوسيلة لحماية الوجود الإسلامي في القدس في وجه التوسع الصهيوني.

يركز الكتاب على العلاقة الروحية التي جمعت المغاربة بالقدس، بدءا من “شد الرحال” إلى المسجد الأقصى، مرورا بطلب العلم والمشاركة في الجهاد. ويستعرض التازي وثائق نادرة تبرز مرور علماء ورجال دين مغاربة في القدس عبر القرون، بالإضافة إلى دعم المغرب السياسي والعسكري، كما حدث عند إرسال أسطول مغربي لمساندة صلاح الدين الأيوبي في معركته ضد الصليبيين.

يرصد الكتاب أصل “حارة المغاربة” التي تأسست في عهد الملك الأفضل في القرن السادس الهجري، كمنطقة سكنية وتربوية خاصة بالمقاتلين والعلماء المغاربة. ويوثق حرص المغاربة عبر التاريخ على تملك وتسجيل عقاراتهم في القدس، خصوصا في مناطق مثل قرية عين كارم، مع توضيح دور هذه الأوقاف في دعم المجتمع المغربي داخل المدينة.

يرصد التازي بداية تغير ملامح الوضع في القدس مع إحتلال محمد علي باشا عام 1831، وظهور القنصلية البريطانية، والتدخلات الأجنبية التي أثرت على الأوقاف الإسلامية، مع توثيق محاولات التوسع الصهيوني على حساب أوقاف المغاربة. كما يبرز جهود المغاربة في الدفاع القانوني والدبلوماسي عن أوقافهم، بما في ذلك تأسيس لجنة القدس عام 1975 لحماية الحقوق.

تحتوي الملاحق العشرة على وثائق رسمية مهمة، منها نصوص الوقف وأوامر رسمية في العهد العثماني والإنتداب البريطاني، بالإضافة إلى إحتجاجات ضد الإحتلال الإسرائيلي ومحاولات هدم أوقاف المغاربة، خاصة بعد عام 1967.

الدكتور عبد الهادي التازي، من مواليد فاس عام 1921، هو أكاديمي ودبلوماسي مغربي بارز. شارك في الحركة الوطنية وتعرض للإعتقال والنفي، وحصل على شهادات عليا من جامعة القرويين وجامعة محمد الخامس وجامعة الإسكندرية. شغل مناصب عدة منها سفير المغرب في العراق وليبيا والإمارات وإيران، إضافة إلى قيادته المعهد الجامعي للبحث العلمي لمدة 20 عاماً.

ألف التازي أكثر من 700 مقال وعشرات الكتب، وكان عضواً في مجامع لغوية وعلمية عربية ودولية، وحصل على عدة أوسمة تقديرية من المغرب ودول أخرى.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.