Ultimate magazine theme for WordPress.

كتاب “عولمة الفقر” … الوجه الخفي للإقتصاد العالمي الجديد …

في كتابه “عولمة الفقر”، يقدم الكاتب الكندي ميشيل تشوسودوفسكي، بترجمة محمد مستجير مصطفى، قراءة نقدية جريئة للواقع الإقتصادي العالمي، متناولا كيف تحولت العولمة من أداة واعدة لتحقيق التنمية إلى آلية لإعادة إنتاج الفقر وتكريسه في دول الجنوب، عبر سياسات تفرضها مؤسسات مالية دولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

الكتاب، الذي يعد مرجعا في فهم التبعات السلبية للعولمة، يرى أن برامج “الإصلاح الهيكلي” التي تفرض على الدول النامية تحت شعار “الإنفتاح الإقتصادي”، لم تفضِ إلا إلى تفكيك الإقتصادات الوطنية، إفقار الطبقات الوسطى والدنيا، وتعميق التبعية الإقتصادية والسياسية.

1. العولمة: من تبادل تجاري إلى هيمنة إقتصادية

يفكك تشوسودوفسكي في بداية الكتاب آليات العولمة الإقتصادية، موضحا أن الظاهرة لم تعد تقتصر على التجارة الحرة، بل أصبحت منظومة هيمنة تمارس عبر الدين الخارجي، وخصخصة القطاعات الحيوية، وسياسات تقشفية تفرض من الخارج.

فقد أضعفت هذه السياسات دور الدولة، وحوّلت المواطن إلى مستهلك فاقد للحماية، بعد انسحاب الدولة من قطاعات التعليم، الصحة، والخدمات الأساسية.

2. إصلاحات مفروضة.. وواقع أكثر هشاشة

تتناول فصول الكتاب كيف أن برامج الإصلاح الهيكلي – التي تشمل تعويم العملة، رفع الدعم، وتحرير الأسواق – أفرزت أزمات اجتماعية واقتصادية عميقة في البلدان التي طبقت فيها.

تؤدي هذه السياسات، بحسب المؤلف، إلى إنهيار القدرة الشرائية، إرتفاع البطالة، واتساع الفجوة الطبقية، مما يجعلها تخدم مصالح رأس المال العالمي أكثر مما تخدم مصالح شعوب الجنوب.

3. تجارب مدمرة في الجنوب العالمي

يستعرض المؤلف نماذج من دول في أمريكا اللاتينية، إفريقيا، وآسيا، ليبيّن كيف أدت التدخلات الخارجية إلى انهيار الزراعة المحلية والصناعات الوطنية.

التحول من الإنتاج المحلي إلى التصدير أضعف الاقتصادات الداخلية، وربط مصير تلك الدول بالأسواق العالمية، ما جعلها رهينة لتقلبات الاقتصاد الدولي.

4. العولمة … أداة سياسية بإمتياز

يؤكد تشوسودوفسكي أن العولمة ليست مجرد مشروع إقتصادي، بل هي وسيلة سياسية للهيمنة. فالمؤسسات الدولية تستخدم كأذرع لتنفيذ سياسات تخدم القوى الكبرى والشركات متعددة الجنسيات، على حساب سيادة الدول النامية.

ويحذر من أن هذا التوجه يؤدي إلى فقدان الدول لقراراتها السيادية، سواء على المستوى الإقتصادي أو السياسي.

5. نحو نماذج بديلة للعولمة

ورغم هذا المشهد القاتم، لا يدعو المؤلف إلى الإنغلاق، بل ينادي بـبناء سياسات وطنية مستقلة تحمي الإقتصاد المحلي، وتعزز العدالة الإجتماعية.

كما يشجع على تطوير نماذج بديلة للعولمة، تكون أكثر توازنا وإنصافا، وتحترم سيادة الدول على مواردها وخياراتها الإقتصادية.

خاتمة : دعوة لإعادة التفكير في مسار العولمة

في “عولمة الفقر”، يكشف تشوسودوفسكي أن العولمة – بالشكل الذي تدار به اليوم – ليست حلاً للفقر بل جزء منه. فهي مشروع يعيد إنتاج التبعية، ويفرض على شعوب الجنوب دفع ثمن باهظ للإنخراط في إقتصاد عالمي لا يرحم.

الكتاب لا يكتفي بالنقد، بل يدعو إلى إعادة النظر في مسار العولمة الحالي، والبحث عن بدائل تحقق التنمية الحقيقية والعدالة الإجتماعية، وتضمن للدول حقها في رسم مستقبلها الإقتصادي بحرية واستقلال.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.