Ultimate magazine theme for WordPress.

“قادة الفكر الإقتصادي” : قراءة في تحولات علم الإقتصاد عبر أعلامه الكبار …

في كتابه “قادة الفكر الإقتصادي”، يرسم الإقتصادي والمفكر الأميركي روبرت هايلبرونر لوحة بانورامية شاملة لتاريخ الفكر الإقتصادي، من بداياته في القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين، مستعرضا مسيرة أبرز المفكرين الذين أسهموا في تشكيل هذا العلم وتحولاته الكبرى.

الكتاب لا يقدم الإقتصاد كعلم حسابي جامد، بل كمرآة تعكس التفاعل الحيوي بين الإنسان والواقع السياسي والإجتماعي والظروف التاريخية التي أنتجت نظرياته الكبرى.

1. الإنطلاقة مع آدم سميث : الإقتصاد كمنظومة طبيعية

يفتتح هايلبرونر كتابه من محطة التأسيس الكلاسيكي مع آدم سميث، الذي صاغ مفهوم “اليد الخفية” للسوق، واعتبر أن الإقتصاد ينظم نفسه بنفسه وفق قوانين طبيعية. ويبين المؤلف أن كتاب ثروة الأمم لم يكن مجرد عمل إقتصادي، بل إعلان فلسفي عن ولادة النظام الرأسمالي الحديث.

2. الإقتصاد من زاوية إجتماعية وسياسية

يؤكد هايلبرونر أن الإقتصاد لا يمكن فصله عن محيطه الإجتماعي والسياسي، لذلك ينتقل إلى دافيد ريكاردو، الذي ركز على توزيع الثروة بين الطبقات، وتوماس مالتوس، الذي أثار جدلا واسعا من خلال نظريته حول السكان ومخاطر الأزمات الإقتصادية المتكررة.

3. ماركس ونقد الرأسمالية

يخصص المؤلف فصلا مهما لكارل ماركس، الذي أعاد تعريف الإقتصاد بوصفه ساحة صراع طبقي، وليس فقط ميدانا لتحليل الإنتاج والتوزيع. يرى هايلبرونر في ماركس مفكرا جذريا واجه الرأسمالية ببديل إشتراكي شامل، مثيرا أسئلة عميقة حول العدالة الإجتماعية والملكية.

4. بين الحرية والإصلاح : جون ستيوارت مل وفبلن

يستعرض الكتاب فكر جون ستيوارت مل، الذي حاول التوفيق بين مبادئ الحرية الإقتصادية وأهداف العدالة الإجتماعية من خلال دعوته للإصلاح التدريجي، ثم ينتقل إلى تورستين فبلن، الذي انتقد نمط الإستهلاك لدى الطبقات الثرية وإبتكر مصطلح “التبذير التفاخري”.

5. كينز وتحديات القرن العشرين

يرى هايلبرونر في جون ماينارد كينز مفكرا مفصليا غير قواعد اللعبة الإقتصادية خلال القرن العشرين، عبر تأكيده على دور الدولة في تحفيز الإقتصاد وكبح البطالة خلال الأزمات. واعتبر أن النظرية الكينزية شكلت نقطة تحول أنهت هيمنة الفكر الكلاسيكي التقليدي.

6. تعددية المدارس وتوسع أدوات التحليل

لا يغفل الكتاب مدارس أخرى مثل المدرسة النمساوية (كارل منغر، فريدريك هايك) والمدرسة الحدية، موضحا إسهاماتها في تطوير أدوات التحليل الإقتصادي، حتى لو ظل تأثيرها محدودا مقارنة بكبار المنظرين مثل سميث وماركس وكينز.

خاتمة : الإقتصاد كعلم إنساني وتاريخي

في النهاية، لا يقدم هايلبرونر سردا تقنيا لتاريخ الأفكار الإقتصادية، بل يقدم رؤية متكاملة ترى في الإقتصاد علما حيا يتشكل بإستمرار، إستجابة للتحولات الكبرى في المجتمعات. ويؤكد أن كبار الإقتصاديين لم يكونوا منعزلين عن أزمات عصرهم، بل كانوا شهودا عليها ومشاركين في محاولة فهمها وتجاوزها.

النسخة العربية من الكتاب، بترجمة الدكتور راشد البراوي، تمثل إضافة مهمة للمكتبة الإقتصادية العربية، وتوفر مدخلا ثريا لفهم تطور الفكر الإقتصادي العالمي عبر أبرز رموزه.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.