مثّل الملتقى الوطني للمخطوطات الإفريقية، المنعقد بمدينة بوجدور، لحظة علمية فارقة في مسار الإهتمام بالتراث المخطوط الإفريقي، حيث أتاح فضاءً أكاديميًا لتقاطع المقاربات حول الذاكرة العلمية للقارة وأدوارها في بناء التواصل الحضاري عبر الزمن. وفي هذا الإطار، جاءت مداخلة الدكتور محمد لمين ولد يحي، أستاذ فقه الدعوة بالمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية بنواكشوط، لتقدّم قراءة علمية معمّقة في وظائف المخطوطات الإفريقية ودلالاتها المعرفية العابرة للجغرافيا.
وانطلقت المداخلة من مقاربة تعتبر المخطوط الإفريقي عنصرًا فاعلًا في تشكّل المعرفة داخل المجال الصحراوي، وليس مجرد شاهد تاريخي صامت. فقد أبرز المتدخل أن هذه المخطوطات شكّلت أداة مركزية في تداول العلوم، وأسهمت في ترسيخ منظومة معرفية متكاملة شملت الفقه المالكي، وعلوم الفلك، والحساب، واللغة، والطب التقليدي، مما أفضى إلى بناء فضاء علمي مشترك ربط بين شمال إفريقيا وغربها في سياق تفاعل مستمر.
وفي تحليله للأبعاد الجغرافية والثقافية، توقّف الدكتور ولد يحي عند الدور المحوري الذي اضطلعت به موريتانيا، بوصفها مجالًا وسيطًا وحاضنًا للتبادل العلمي، حيث ساعد موقعها الجغرافي وتقاليدها العلمية الراسخة على تسهيل حركة العلماء والمخطوطات بين الحواضر الكبرى، وأسهمت في بلورة شبكة من العلاقات العلمية العابرة للصحراء. كما أبرز الأدوار التي قام بها العلماء والنسّاخ والورّاقون، إلى جانب القوافل الصحراوية، في حفظ هذا التراث وصيانته وضمان انتقاله بين الأجيال.
وقد شكّلت هذه المداخلة إضافة نوعية لأشغال الملتقى، لما حملته من طرح علمي متوازن جمع بين التحليل التاريخي والرؤية المعرفية، وهو ما انعكس بوضوح في التفاعل الإيجابي الذي لقيته من طرف المشاركين، وفي إدماج خلاصاتها ضمن التوصيات النهائية، خاصة تلك المرتبطة بضرورة جرد المخطوطات الإفريقية، والعناية بها، وتثمين بعدها العلمي المشترك والعابر للحدود الوطنية.
وتندرج مشاركة الدكتور محمد لمين ولد يحي ضمن الدينامية العلمية التي ميّزت هذا الملتقى، وأسهمت في تعزيز وعي جماعي بأهمية التعاون الأكاديمي والثقافي بين بلدان المنطقة، باعتباره مدخلًا أساسيا لصون التراث المخطوط الإفريقي والحفاظ على الذاكرة العلمية المشتركة.


التعليقات مغلقة.