Ultimate magazine theme for WordPress.

فيصل مرجاني : حرب الظل على الشرعية … التفكيك الخفي لرموز الدولة …

نادراً ما تتعرّض الدول ذات الإستمرارية التاريخية الطويلة لتهديدات مباشرة وصريحة، لأن إستهدافها العنيف غالبًا ما يُقابل بمناعة رمزية وسياسية متجذّرة. غير أن التجارب التاريخية تُظهر، بوضوح لا لبس فيه، أن أخطر ما يواجه هذا النوع من الدول لا يتمثل في الصدام المكشوف، بل في تفكيك المعنى من الداخل، عبر مسارات بطيئة، ملتوية، ومتراكمة، تشتغل على الوعي قبل المؤسسات، وعلى الرمزية قبل السلطة. في هذا المستوى تحديدًا، لا يعود الصراع سياسيًا بالمعنى الإجرائي الضيق، بل يتحول إلى صراع على تعريف الدولة ذاتها : ما هي، كيف تُفهم، وأين تبدأ حدود مساءلتها دون المساس بشروط وجودها.

من هنا تبرز ضرورة التمييز الإبستمولوجي الصارم بين النقد بوصفه ممارسة عقلانية تُنتج المعنى داخل أفق الدولة، وبين التقويض بوصفه فعلًا رمزيًا يستهدف الأسس التي تجعل الدولة ممكنة من حيث الأصل. فحين يُفرَّغ الخطاب من معاييره المفاهيمية، وحين تتحول الحرية من أداة تفكير إلى تقنية هدم، لا نكون أمام جدل عمومي صحي، بل أمام شكل من أشكال العدمية السياسية الناعمة، التي لا تعلن نفسها كخصم، بل تتسلل في هيئة وعي، أو جرأة، أو تحرر من “الطابوهات”، بينما هي في جوهرها إعادة تشكيل قسرية للمعنى دون إعتراف بالفعل القسري ذاته.

إن ما يشهده الفضاء العمومي المغربي، خصوصًا في امتداده الرقمي، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تعبير عفوي عن اختلافات رأي أو توترات اجتماعية، ولا باعتباره تجلّيًا مباشرًا لما يُسمّى “الرأي العام” في صورته الخام. بل إن الأمر يتعلق، على نحو أعمق، بنسق خطابي منظم يشتغل بمنطق التراكم البطيء، حيث لا يكون الهدف هو الطعن المباشر أو المواجهة الصريحة، بل الاستنزاف الرمزي طويل الأمد، عبر تعويم المرجعيات، وإرباك الحدود بين المشروع وغير المشروع، وتحويل الثوابت التأسيسية إلى موضوع سجال استهلاكي يومي. هنا لا يُنتج الخطاب موقفًا واضحًا، بل يُنتج ارتيابًا عامًا، ويؤسس لما يمكن تسميته إقتصاد الشك.

في هذا السياق، تكتسب مسألة المؤسسة الملكية في المغرب بعدًا يتجاوز التحليل السياسي التقليدي. فالملكية المغربية لا تُختزل في كونها جهاز حكم أو سلطة تنفيذية عليا، ولا يمكن إخضاعها لنماذج التحليل التي تفترض تعاقدًا ظرفيًا بين الحاكم والمحكوم. إنها، في بنيتها العميقة، حامل الإستمرارية التاريخية والسيادية للدولة، والمرجعية الرمزية التي تمنح الكيان السياسي وحدته عبر الزمن. ليست الملكية جزءًا من الدولة، بل هي الإطار الرمزي الذي يجعل الدولة ممكنة بوصفها كيانًا متصلًا، ذا ذاكرة ومعنى وإستمرارية.

بناءًا على ذلك، لا تُفهم العلاقة بين المجتمع المغربي والمؤسسة الملكية في منطق الطاعة السياسية أو الإمتثال السلطوي، بل في منطق الإنتماء الوجودي إلى الدولة بإعتبارها أفق المعنى والسيادة. فالشرعية الملكية ليست شرعية إجرائية قابلة للتجديد أو السحب وفق منطق التداول، ولا شرعية كاريزمية ظرفية كما في بعض التصنيفات الكلاسيكية، بل شرعية مركّبة، تتداخل فيها عناصر التاريخ، والدين، والوظيفة التحكيمية، والتمثيل السيادي للأمة. إنها شرعية سابقة على المجال السياسي نفسه، وتشكل شرط إمكانه، لا نتيجة من نتائجه.

من هنا يمكن فهم لماذا لا يُستهدف هذا النوع من الشرعية عبر المواجهة الصريحة، بل عبر محاولات إعادة تعريفه لغويًا ورمزيًا. فالملكية لا تُقدَّم كخصم يجب إسقاطه، بل كموضوع نقاش قابل للإستهلاك اليومي، ثم كإشكال أخلاقي، ثم كسؤال مفتوح بلا مرجعية. هذا الإنتقال التدريجي من المرجعية فوق-التداولية إلى المبتذل التداولي هو جوهر عملية التفكيك. إنه ليس هجومًا، بل نزع بطيء للهالة الرمزية، وتحويل ما كان شرطًا للمعنى إلى مجرد رأي من بين آراء.

في هذا المستوى، يصبح مفهوم العنف الرمزي، أداة تفسير مركزية. فالعنف هنا لا يُمارَس بالقسر أو الإكراه، بل عبر إعادة تشكيل الإدراك الجماعي، بحيث لا يُدرَك الفعل التقويضي بإعتباره عنفًا، بل يُعاد تقديمه بوصفه وعيًا أو نقدًا أو مساءلة. يُمارَس هذا العنف حين تُفرض تصنيفات معينة للفهم، وتُطبع الشكوك، ويُعاد ترتيب ما يُعتبر بديهيًا وما يُعتبر قابلًا للطعن، دون إعلان عن سلطة الفرض ذاتها.

الفضاء الرقمي، بخوارزمياته ومنطقه القائم على التكرار والتضخيم، يشكل البيئة المثالية لهذا النوع من الإشتغال. فالتكرار يحل محل البرهان، والإنفعال محل التحليل، والإنتشار محل القيمة المعرفية. لا يعود النقاش فعلًا عقلانيًا يُنتج معنى، بل يتحول إلى سياسة تأثير تُراكم الإيحاءات، والإنتقادات المبتورة، والأخبار المضللة، لا من أجل الإقناع، بل من أجل إنهاك الثقة وتطبيع اللايقين. في هذه الحالة، لا يُقوَّض النظام من الخارج، بل تُفرَّغ رموزه من الداخل.

هذا المنطق يجد له سوابق واضحة في تاريخ الفكر السياسي. فالتجربة الفرنسية، خاصة في لحظتها الثورية وما تلاها، تقدم نموذجًا دالًا على كيفية إستثمار فكرة “الإرادة العامة” بوصفها أداة إستحواذ وليس تعبيرًا ذاتيًا عن وعي شعبي مستقل. فالثورة الفرنسية، بعيدًا عن سرديات التمجيد، كانت في جوهرها مشروعًا برجوازيًا واعيًا إستثمر في اغضاب الجماهير وتحريضها، وفي التحكم في أدوات الخطاب، من صحافة وأدب وخطابة وفضاء عمومي ناشئ، من أجل إعادة توزيع السلطة والثروة. لم تكن حركة sans-culottes وعيًا جماهيريًا ذاتيًا، بل أداة تعبئة إستُخدمت لتصفية النبلاء بوصفهم حَمَلة الذاكرة والشرعية، تمهيدًا للإستيلاء الكامل على الدولة.

الأخطر في تلك اللحظة لم يكن إسقاط الملكية في حد ذاته، بل الطريقة التي أُعيد بها إنتاج المعنى، حيث جرى تحويل الإستيلاء على الدولة إلى ضرورة أخلاقية، وكتابة التاريخ بوصفه حكاية إنتصار الشعب، بينما كان الشعب نفسه أداة في صراع نخبوي على السلطة. ولم يبدأ تفكيك هذه الأسطورة إلا لاحقًا، حين أعادت الدراسات النقدية مساءلة مفهوم الإرادة العامة بإعتباره بناءًا خطابيًا قابلًا للتوجيه، وليس حقيقة إجتماعية صافية.

في السياق المغربي المعاصر، تتخذ هذه الإستراتيجيات طابعًا أكثر نعومة وتعقيدًا. فإلى جانب الخطابات العدائية الصريحة، تظهر أشكال من التمويه الدفاعي، حيث تُنشأ منصات تدّعي الدفاع عن المؤسسات، لكنها تُعيد إنتاج نفس المضامين الناقدة، وتُضفي عليها شرعية التداول، فتتحول، بقصد أو بغير قصد، إلى جزء من دورة التضخيم الرمزي. هنا يصبح الرد ذاته أداة نشر، وتتحول المواجهة إلى وسيلة لإعادة توزيع الخطاب التقويضي، ويختفي الفاعلون الحقيقيون خلف ضجيج متبادل يُربك القراءة ويُعقّد تحديد المسؤوليات.

إن الرهان الضمني لهذا النسق الخطابي يقوم على إفتراض أن الوعي المغربي قابل للإختراق عبر الضغط الرمزي المتواصل، وأن العلاقة بين المجتمع والملكية يمكن تفكيكها عبر تراكم الشكوك. غير أن هذا الإفتراض ينطوي على سوء تقدير عميق لطبيعة الشرعية في المغرب، حيث لا تُختزل الملكية في بعدها السياسي، بل تتجذر بوصفها ذاكرة سيادية، وشرط وحدة، وضامن إستمرارية الدولة. إنها ليست موضوع إختيار أو مزايدة، بل إطار معنى، ومن دونها تفقد الدولة إنسجامها الرمزي قبل أن تفقد أدواتها المؤسساتية.

إن التاريخ السياسي يُظهر بوضوح أن الدول لا تنهار دائمًا بفعل الصدمات الكبرى أو الإنقلابات العنيفة، بل كثيرًا ما تتآكل من الداخل حين يُفرَّغ معناها، وتُحوَّل ثوابتها إلى مواد سجال إستهلاكي، وتُختزل الشرعية في مجرد رأي قابل للتداول. في هذه اللحظة، لا يعود الخطاب إصلاحيًا، بل يتحول إلى فعل عدمي، يخلط بين مساءلة السياسات وتقويض الأسس، وبين الحرية وتدمير شروط إمكانها.

وعليه، فإن ما يُقدَّم اليوم بوصفه جرأة فكرية أو تحررًا من الطابوهات لا يعدو، في كثير من الأحيان، أن يكون فقرًا مفاهيميًا مقنّعًا، يعكس عجزًا عن التمييز بين الدولة بوصفها بنية معنى، والسلطة بوصفها ممارسة قابلة للنقد. فالملكية في المغرب ليست مادة للإستهلاك الرقمي، ولا موضوع مزايدة أيديولوجية، بل شرط وجود الدولة ذاتها. ومن لا يستوعب هذا المعطى، لا يسيء فقط قراءة النظام السياسي، بل يُخطئ فهم التاريخ، والمجتمع، ومعنى الدولة في آن واحد.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.