لم تأتِ الإشادة الأمريكية هذه المرّة في بيان سياسي، ولا في لقاء رسمي مغلق، بل في رسالة مصوّرة موجّهة إلى فضاء ثقافي مستقل، من قلب مدينة سيدي قاسم. رسالة إختارت فيها القنصل العام للولايات المتحدة الأمريكية بالدار البيضاء، ماريسا سكوت، أن تتحدث عن الفن، والحوار، والسلام، في زمنٍ باتت فيه هذه الكلمات نادرة في الخطاب الدولي.
الرسالة، التي نشرتها مؤسسة رحلة للفنون الحية، وضعت ملتقى سلام للفنون المعاصرة في موقع مختلف : ليس كحدث فني عابر، بل كمنصة ثقافية تحظى بإهتمام دبلوماسي دولي، وتُقرأ بإعتبارها تجربة ذات مصداقية في مجال الحوار الثقافي العابر للحدود.
عندما تشيد مسؤولة دبلوماسية رفيعة بمبادرة ثقافية مدنية، فإن ذلك لا يُقرأ فقط من زاوية التكريم، بل من زاوية الإعتراف الضمني بدور الثقافة كفاعل حقيقي في العلاقات الدولية، وكقوة ناعمة قادرة على إنتاج المعنى في لحظات التوتر العالمي. وهو ما جسّدته إشادة القنصل الأمريكية بملتقى سلام، وبخيارِه الواضح في وضع الثقافة في قلب النقاش حول السلام.
تتويج ماريسا سكوت بـ جائزة سلام لسنة 2025 لم يُقدَّم بوصفه لحظة احتفالية، بل كإشارة رمزية إلى عمق العلاقة التاريخية والإنسانية التي تجمع المغرب والولايات المتحدة منذ أكثر من 250 سنة، وإلى قناعة مشتركة بأن الحوار، لا الإصطفاف، هو القاعدة الأكثر صلابة لبناء مستقبل مشترك.
اختيار ملتقى سلام لشعار «السلام في العالم الرقمي» لم يكن ترفًا لغويًا، بل موقفًا ثقافيًا واضحًا من أحد أكثر ملفات العصر تعقيدًا: كيف يمكن للفضاءات الرقمية، التي تُغذّي الاستقطاب والانقسام، أن تتحول إلى مجال للنقاش المسؤول وبناء الثقة؟ الرسالة الأمريكية التقطت هذا السؤال، واعتبرته جزءًا من التحدي العالمي المشترك.
أما مسار السلام والحوار، الذي أطلقه الملتقى، فيُعد اليوم من أبرز نقاط قوته، لأنه ينقل المشروع من منطق التظاهرة إلى منطق المسار، ومن اللحظة إلى التراكم، ومن الخطاب إلى الممارسة الثقافية المستدامة.
ويقف خلف هذا التوجه الفنان والمنتج المغربي عبد اللطيف نحيلة، رئيس ملتقى سلام للفنون المعاصرة ومؤسس مؤسسة رحلة للفنون الحية، الذي اشتغل منذ البداية على فكرة بسيطة في ظاهرها، جذرية في عمقها: الثقافة ليست بديلاً عن السياسة، لكنها قادرة على تنظيم الحوار حين تعجز السياسة عن ذلك. رؤية جعلت من الملتقى فضاءً مستقلًا، لا تابعًا، ومنفتحًا، لا اصطفافيًا.
بفعل هذا الخيار، وبقيادة فريق شاب متعدد الخلفيات والخبرات، راكم ملتقى سلام حضوره بهدوء، وانتقل من مبادرة محلية إلى تجربة تحظى باهتمام الأوساط الثقافية والدبلوماسية، وتُقدَّم اليوم كنموذج للدبلوماسية الثقافية الموازية التي تشتغل خارج الضجيج، لكن داخل الأسئلة الكبرى.
ومن سيدي قاسم، بعيدًا عن المراكز التقليدية لصناعة القرار الثقافي، يبعث ملتقى سلام رسالة واضحة إلى المشهد الدولي: التأثير لا يُقاس بالمكان، بل بالرؤية؛ ولا يُصنع بالخطاب العالي، بل بالعمل الثقافي المتراكم.
بهذه الإشادة الأمريكية الرسمية، لا يضيف ملتقى سلام للفنون المعاصرة حدثًا جديدًا إلى رصيده فقط، بل يثبّت موقعه كمرجعية ثقافية دولية صاعدة، تشتغل على السلام بوصفه ممارسة ثقافية طويلة النفس، لا شعارًا عابرًا في زمن الأزمات.


التعليقات مغلقة.